تفسير سورة هود
تثبيت الرسول والمؤمنين أمام التكذيب، وإظهار وحدة دعوة الرسل، وربط النجاة بالتوحيد والاستغفار والاستقامة وعدم الركون إلى الظلم.

تقسيم سورة هود
تثبيت الرسول والمؤمنين أمام التكذيب، وإظهار وحدة دعوة الرسل، وربط النجاة بالتوحيد والاستغفار والاستقامة وعدم الركون إلى الظلم.
1الآيات 1–11كتاب محكم والتوبة والرزق والبعث
كتاب محكم والتوبة والرزق والبعث
﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾
القرآن محكم لا خلل فيه، مفصل بما يحتاجه الناس، ويدعو إلى عبادة الله وحده والاستغفار والتوبة. ومن رجع إلى الله متعه متاعًا حسنًا وأعطى كل صاحب فضل فضله.
يعلم الله ما تخفي الصدور ولو حاول الإنسان ستره، وما من مخلوق يدب إلا تكفل الله برزقه وعلم مستقره ومستودعه.
خلق السماوات والأرض في ستة أيام ليبتلي الناس أيهم أحسن عملًا. ومع وضوح القدرة على الخلق ينكر المكذبون البعث ويصفون القرآن بالسحر.
إذا تأخر العذاب استهزؤوا، وإذا مس الإنسان ضر يئس، وإذا ذاق نعمة بعد ضر فرح وبطر؛ إلا الصابرين العاملين فلهم مغفرة وأجر كبير.
معاني الكلمات
- أحكمت
- أتقنت ومُنعت من الخلل
- يثنون صدورهم
- يطوونها لإخفاء ما فيها
- مستقرها ومستودعها
- موضع قرارها وموضعها المؤقت على اختلاف أحوالها
- أمة معدودة
- مدة محددة
الهدايات
- ابدأ إصلاحك بالتوحيد والاستغفار والتوبة.
- الرزق بيد الله فلا تطلبه بمعصيته.
- الابتلاء يقيس حسن العمل لا كثرة الحركة وحدها.
2الآيات 12–24صدق الوحي ومشهد الفريقين
صدق الوحي ومشهد الفريقين
﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾
ثقل على النبي تكذيب قومه واقتراحاتهم، فثبته الله أن مهمته الإنذار، وأن الله وكيل على كل شيء؛ فلا يترك من الوحي ما لا يعجبهم.
تحداهم القرآن أن يأتوا بعشر سور مفتريات مثله. فإن عجزوا فليعلموا أنه أنزل بعلم الله وأنه لا إله إلا هو.
من أراد الدنيا وحدها قد يُعط بعض جزاء عمله فيها، لكنه لا يجد في الآخرة إلا النار إذا خلا عمله من الإيمان والإخلاص.
المؤمن على بينة من ربه ويتلو القرآن شاهد منه وتصدقه أصول كتاب موسى. أما الأحزاب المكذبة فالنار موعدها، فلا يكن الحق موضع شك بسبب كثرة الرافضين.
الظالم يفتري على الله ويصد عن سبيله، ثم يشهد الأشهاد بلعنته. أما المؤمن العامل المخبت فصاحب الجنة؛ والفرق كالأعمى والأصم أمام البصير والسميع.
معاني الكلمات
- ضائق به صدرك
- شاعر بالضيق من ردهم
- فهل أنتم مسلمون
- فهل أنتم منقادون لله بعد قيام الحجة
- الأحزاب
- جماعات الكفر المختلفة
- أخبتوا
- اطمأنوا وخضعوا وتواضعوا لله
الهدايات
- لا تحذف من الحق ما يرفضه الناس.
- لا تجعل نجاح الدنيا وحده دليل قبول عند الله.
- زن الأقوال بالبينة لا بعدد الموافقين.
3الآيات 25–49نوح والطوفان وحدود القرابة
نوح والطوفان وحدود القرابة
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾
دعا نوح قومه إلى عبادة الله وحده، فاعترض الملأ بأنه بشر واتّبعه الضعفاء، وطلبوا طردهم. فرفض؛ لأن الكرامة بالإيمان لا بالطبقة، ولا يدعي خزائن الله أو علم الغيب أو الملَكية.
بعد جدال طويل أوحى الله أنه لن يؤمن إلا من آمن، وأمر نوحًا بصنع السفينة تحت رعايته وألا يجادله في الظالمين. سخروا منه وسيعلمون لمن العذاب.
حمل نوح في السفينة المؤمنين ومن كل زوجين اثنين كما أمره الله. ونادى ابنه فاختار الجبل بدل الإيمان، فحال الموج بينهما وغرق.
سأل نوح ربه في ابنه، فعلمه الله أن رابطة الإيمان مقدمة وأن سؤاله فيما لا يعلم غير صالح. فاستعاذ واستغفر وخضع.
أمر الله الأرض أن تبلع ماءها والسماء أن تقلع، واستوت السفينة على الجودي. ثم خرج نوح بسلام وبركات، وختمت القصة بأنها من أخبار الغيب وأن العاقبة للمتقين.
معاني الكلمات
- أراذلنا
- من استضعفهم المتكبرون واحتقروهم
- بادي الرأي
- في ظاهر الأمر وأوله دون روية في زعمهم
- فار التنور
- نبع الماء بشدة؛ علامة بدء الطوفان
- غيض الماء
- نقص وذهب في الأرض
الهدايات
- لا تطرد الصادق إرضاءً لصاحب مكانة.
- الأسباب لا تنجي بلا إيمان؛ الجبل لم يحم ابن نوح.
- القرابة لا تمنع المحاسبة، ولا تُسقط الرحمة والعدل.
4الآيات 50–68هود وصالح وسنة الاستخلاف
هود وصالح وسنة الاستخلاف
﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾
قال هود لعاد: اعبدوا الله وحده، ولا أسألكم أجرًا. ودعاهم للاستغفار والتوبة ووعدهم بالمطر وزيادة القوة، لكنهم اتهموه بلا بينة وتمسكوا بآلهتهم.
أعلن هود براءته من شركهم وتوكله على الله رب كل دابة، وأن ربه على صراط مستقيم. فإن تولوا فقد بلغهم، ويستخلف الله غيرهم.
نجّى الله هودًا والمؤمنين برحمة منه وأتبع عادًا لعنة؛ لأنهم جحدوا الآيات واتبعوا أمر كل جبار عنيد.
ودعا صالح ثمود إلى عبادة الله الذي أنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها. اعترضوا بأن دعوته تخالف رجاءهم فيه وتقاليد آبائهم.
جعل الله الناقة آية لها حق في الماء والرعي، فعقروها. أمهلوا ثلاثة أيام ثم جاءت الصيحة، فنجى الله صالحًا والمؤمنين وأصبح الظالمون جاثمين.
معاني الكلمات
- مدرارًا
- كثيرًا متتابعًا بالمطر
- آخذ بناصيتها
- مالكها وقاهرها والمتصرف فيها
- استعمركم فيها
- أنشأكم لعمارتها ومكنكم منها
- غير مكذوب
- وعدًا لا كذب فيه
الهدايات
- الاستغفار إصلاح لا كلمة مع الإصرار.
- القوة نعمة تزيد بالطاعة وتهلك بالكبر.
- عمارة الأرض تكليف مقيد بالعدل والتوحيد.
5الآيات 69–83ضيوف إبراهيم وعذاب قوم لوط
ضيوف إبراهيم وعذاب قوم لوط
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾
جاءت الملائكة إبراهيم بالبشرى، فقدم لهم عجلًا مشويًا، فلما لم يأكلوا خاف. طمأنوه أنهم أرسلوا إلى قوم لوط، وبشروا سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب.
تعجبت سارة من الولد مع الكبر، فردوا أن أمر الله لا يعجزه شيء وأن رحمته وبركاته على أهل البيت.
جادل إبراهيم في قوم لوط رحمة وحلمًا، لكن جاء أمر الله الذي لا يرد بعد قيام الحجة.
ساء لوط مجيء الضيوف خوفًا من قومه الذين يهرعون إلى الفاحشة. دعاهم إلى الطهر والزواج المشروع واستنكر غياب الرشد.
أخبرته الملائكة أن القوم لن يصلوا إليه، وأمروه أن يخرج بأهله ليلًا إلا امرأته. فلما جاء الأمر جعلت القرية عاليها سافلها وأمطرت حجارة مسومة؛ والوعيد ليس بعيدًا عن الظالمين.
معاني الكلمات
- حنيذ
- مشوي على حجارة محماة
- نكرهم
- استنكر حالهم وخاف منهم
- سيء بهم
- حزن وضاق بسببهم
- سجيل منضود
- حجارة من طين متحجر متتابعة
الهدايات
- إكرام الضيف من أخلاق إبراهيم.
- رحمة الداعية لا تعني إنكار عدل الله بعد قيام الحجة.
- الطهر لا يستبدل بتطبيع الفاحشة أو العدوان على الناس.
6الآيات 84–95شعيب وعدل السوق
شعيب وعدل السوق
﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾
دعا شعيب مدين إلى عبادة الله ثم إلى إصلاح السوق: إيفاء المكيال والميزان وترك نقص حقوق الناس والفساد في الأرض.
بيّن أن بقية الله من الربح الحلال خير من المكسب المحرم، وأنه ليس رقيبًا قاهرًا على السرائر بل مبلغ أمين.
سخروا: هل صلاتك تأمرك أن نترك آلهتنا أو التصرف المطلق في أموالنا؟ فأوضح أنه على بينة ورزق حسن، ولا يريد مخالفتهم إلى ما ينهاهم عنه، وإنما الإصلاح ما استطاع.
حذرهم أن يحملهم خلافه على تكرار مصير قوم نوح وهود وصالح ولوط، ودعاهم للاستغفار؛ لكنهم هددوه بالرجم لولا رهطه.
قدموا رهطه على حرمة الله، فأعلن توكله. ولما جاء الأمر نجى الله شعيبًا والمؤمنين وأخذت الظالمين الصيحة.
معاني الكلمات
- لا تعثوا
- لا تفسدوا فسادًا شديدًا
- بقية الله
- ما أبقاه الله من الحلال بعد أداء الحقوق
- أن نترك ما يعبد آباؤنا
- اعتراض بتقليد الموروث
- ظهريًا
- مطروحًا وراء الظهر لا يُعبأ به
الهدايات
- العبادة الصادقة تصل إلى الميزان والفاتورة وحق العميل.
- الملكية لا تبيح أكل حقوق الناس.
- قل: إن أريد إلا الإصلاح، ثم اجعل سلوكك يصدقها.
7الآيات 96–109موسى ومشاهد الآخرة
موسى ومشاهد الآخرة
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾
أرسل الله موسى بآيات وسلطان مبين إلى فرعون وملئه، فاتبعوا أمر فرعون مع أنه غير رشيد. يتقدم قومه يوم القيامة فيوردهم النار كما قادهم في الدنيا.
قصص القرى منها ما بقي أثره ومنها ما حُصد، وما ظلمهم الله ولكن ظلموا أنفسهم، ولم تغن عنهم آلهتهم شيئًا بل زادتهم خسارًا.
أخذ الله القرى الظالمة أليم شديد، وفي ذلك آية لمن خاف عذاب الآخرة: يوم مجموع له الناس ومشهود، ولا يتأخر إلا لأجل معلوم.
يوم يأتي لا تتكلم نفس إلا بإذنه؛ فمنهم شقي وسعيد. أهل النار لهم زفير وشهيق، وأهل الجنة خالدون بعطاء غير مقطوع، وكل ذلك تحت مشيئة الله وحكمته.
لا تكن في مرية من بطلان ما يعبد المشركون تقليدًا لآبائهم، وسيُوفون نصيبهم. واختلف بنو إسرائيل في كتاب موسى، ولولا كلمة الإمهال لقضي بينهم.
معاني الكلمات
- تتبيب
- تخسير وهلاك
- محصود
- مستأصل كزرع قُطع
- معدود
- محدد لا يتقدم ولا يتأخر
- مجذوذ
- مقطوع
الهدايات
- القائد غير الرشيد يورد أتباعه المهالك.
- آثار الأمم شواهد لمن خاف الآخرة.
- لا تجعل تقليد الآباء دليلًا على صحة العبادة.
8الآيات 110–123الاستقامة والصلاة وعدم الركون
الاستقامة والصلاة وعدم الركون
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
أمر الله نبيه ومن تاب معه بالاستقامة كما أمر الوحي، لا كما تميل النفس، ونهاهم عن الطغيان والركون إلى الظالمين؛ فالميل الذي يقوي الظلم خطر على الدين.
أقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل؛ فالحسنات يذهبن السيئات. هذه ذكرى لمن يتذكر، ومعها الصبر لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.
كان ينبغي أن توجد في الأمم بقية عاقلة تنهى عن الفساد، إلا قليلًا أنجاهم الله، بينما اتبع الظالمون الترف وأجرموا. ولا يهلك الله القرى بظلم وأهلها مصلحون.
لو شاء الله لجعل الناس أمة واحدة، لكنهم مختلفون إلا من رحم. وتمت كلمة الله بملء جهنم ممن اختار الكفر.
كل خبر من الرسل يثبت فؤاد النبي، وجاء فيه الحق والموعظة. اعملوا وانتظروا، ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله؛ فاعبده وتوكل عليه.
معاني الكلمات
- لا تركنوا
- لا تميلوا إلى الظالمين ميل رضا أو إعانة
- زلفًا من الليل
- ساعات قريبة من طرف النهار
- أولو بقية
- أهل عقل وفضل ودين باقٍ
- مكانتكم
- طريقتكم وحالكم
الهدايات
- الاستقامة اتباع للوحي، لا تشدد يصنعه الإنسان.
- داوم على الصلاة والحسنات بعد الزلة.
- لا يكفي أن تكون صالحًا؛ شارك في الإصلاح بالحكمة والقدرة.
قل آمنت بالله ثم استقم
قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم.
صحيح · صحيح مسلم
جمع الحديث أصل الطريق وثمرته: إيمان صحيح بالله، ثم ثبات عملي على أمره. والاستقامة ليست ادعاء العصمة؛ بل لزوم الطريق، وإذا وقع تقصير تبعه استغفار وتوبة.
التخريج ↗