محطات القصةمولده ونشأته وبداية الوحي
01مولده ونشأته وبداية الوحي
ولد محمد ﷺ في بني هاشم بمكة عام الفيل على المشهور، ومات أبوه قبل مولده. فقد أمه آمنة وهو صغير، فكفله جده عبد المطلب، ثم عمه أبو طالب.
لا يثبت حديث صحيح يحدد يوم مولده من شهر ربيع الأول. الثابت في صحيح مسلم أنه ولد يوم الاثنين، أما تعيين يوم الشهر فمختلف فيه.
رعى النبي ﷺ الغنم في شبابه، وثبت أن الأنبياء رعوا الغنم؛ وفيها تدريب على الصبر والرعاية وتحمل المسؤولية. ثم عمل في التجارة، وعرفت خديجة أمانته فتزوجته.
عاش في مكة أربعين سنة قبل البعثة لم يعرف عنه قومه كذبًا ولا خيانة. لكن صدقه قبل النبوة ليس وحده دليل الرسالة؛ الدليل ما جاء به من الوحي والآيات.
لما أعادت قريش بناء الكعبة اختلفت القبائل فيمن يضع الحجر الأسود، واشتد النزاع. ارتضوا محمدًا ﷺ حكمًا لما عرفوا من أمانته.
وضع الحجر في ثوب، وأشرك رؤساء القبائل في حمله، ثم وضعه بيده. يروى أصل الخبر في كتب السيرة، ونستفيد منه إدارة النزاع من غير أن نرفع كل تفصيل إلى درجة الحديث الصحيح.
حُبب إليه الخلاء، فكان يتعبد في غار حراء. جاءه جبريل فقال اقرأ، ونزلت أوائل سورة العلق. عاد إلى خديجة يرجف فؤاده وقال زملوني.
طمأنته خديجة بخصاله: يصل الرحم، ويحمل الكل، ويكسب المعدوم، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. ذهبت به إلى ورقة بن نوفل، فعرف أن الذي جاءه هو الناموس الذي جاء موسى.
02الدعوة الأولى والسابقون إلى الإسلام
نزلت أوائل المدثر بعد بدء الوحي، فانتقل النبي ﷺ إلى حمل أمانة البلاغ: إنذار الناس، وتكبير الرب، وتطهير العمل، وهجر الأصنام.
كان جوهر الخطاب واضحًا: عبادة الله وحده والاستعداد للآخرة. لم تبدأ الدعوة بمشروع سلطة أو خصومة قبلية، بل بإصلاح الاعتقاد والقلب والسلوك.
آمنت خديجة رضي الله عنها من أول لحظة، وواست النبي ﷺ بنفسها ومالها. ثم أسلم علي وزيد وأبو بكر رضي الله عنهم، ودعا أبو بكر رجالًا عرف فيهم الصدق.
يختلف أهل السيرة في ترتيب بعض الأوائل بحسب التقسيم: أول امرأة، وأول حر، وأول صبي، وأول مولى. لا حاجة لتحويل اختلاف اصطلاحي إلى نزاع في فضائلهم.
تلقى المؤمنون الأوائل القرآن، وتعلموا الصلاة والتوحيد والصبر. كانت التربية على الوحي هي التي صنعت قدرتهم على حمل الأذى لاحقًا.
دار الأرقم مشهورة في كتب السيرة بوصفها موضع اجتماع وتعليم، لكن تحديد مدة كل مرحلة وأعداد الداخلين يومًا بيوم ليس ثابتًا بنص صحيح.
لما أُمر بإنذار عشيرته صعد النبي ﷺ الصفا ونادى بطون قريش. سألهم عن تصديقهم له لو حذرهم من جيش قادم، فأقروا أنهم لم يجربوا عليه كذبًا؛ ثم أعلن إنذاره لهم من عذاب الله.
رفض أبو لهب الدعوة مع قرب نسبه، فنزلت سورة المسد. وتكشف الواقعة اختلاف مواقف الأقارب: خديجة وعلي وزيد يؤمنون، وأبو طالب يحمي دون إسلام، وأبو لهب يعادي. القرابة وحدها لا تحدد الموقف من الرسالة.
03الأذى والهجرة إلى الحبشة وحصار الشعب
لما أعلن النبي ﷺ دعوته ازداد أذى قريش: تشويه للرسالة، وضغط اجتماعي، واعتداء على النبي وأصحابه، ولا سيما من لا عشيرة تحميه.
ثبت في الصحيح أن عقبة خنق النبي بثوبه عند الكعبة حتى دفعه أبو بكر وقال كلمة مؤمن آل فرعون. وثبت وضع سلا الجزور على ظهره وهو ساجد حتى رفعته فاطمة رضي الله عنها.
أذن النبي ﷺ لطائفة من أصحابه بالخروج إلى الحبشة حفاظًا على دينهم. اختيرت لأنها تحت حكم النجاشي المعروف بالعدل، لا لأنها أرض عربية أو تحت سيطرة المسلمين.
عرض جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي أخلاق الجاهلية وتحولهم بالإسلام، وقرأ عليه من سورة مريم. فأبى النجاشي تسليمهم لرسل قريش، وأمّنهم في بلاده.
اتفقت بطون من قريش على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا النبي ﷺ، فدخل المؤمن والكافر من عشيرته في الحصار دفاعًا عن رابطة الحماية.
دامت المقاطعة زمنًا قاسيًا ثم سعى رجال من قريش في نقضها. العبرة أن المواقف لا تنقسم دائمًا إلى جماعتين بسيطتين؛ قد يدفع غير المسلم ظلمًا بدافع مروءة.
اشتد البلاء بأبي بكر فخرج يريد الحبشة. لقيه ابن الدغنة وردّه في جواره، محتجًا بما عرفه عنه من صلة الرحم وإغاثة المحتاج وإكرام الضيف.
اعترضت قريش على قراءته القرآن أمام الناس وتأثرهم به. خُيّر بين الاقتصار على بيته ورد الجوار، فاختار رد الجوار والاعتماد على الله. هذا خبر مستقل عن رحلة المهاجرين الذين أقاموا عند النجاشي.
04عام الحزن والطائف والإسراء والمعراج
مات أبو طالب على دين قومه رغم حماية النبي ﷺ، ثم ماتت خديجة المؤمنة الوفية. جمع العام فقد الحماية الخارجية والسكن الداخلي، فاشتد أذى قريش.
لم يتحول الحزن إلى انقطاع؛ واصل النبي عرض الإسلام على الناس والقبائل، وخرج إلى الطائف يلتمس موضعًا يسمع فيه الناس الدعوة.
رد أهل الطائف الدعوة وسلطوا عليه سفهاءهم، فرجع مهمومًا. وثبت أنه لما عرض عليه ملك الجبال أن يطبق الأخشبين على أهل مكة لم يختر الانتقام، بل رجا هداية ذريتهم.
لا تعني الرحمة إنكار الألم أو ترك الدعوة؛ هي قدرة على رؤية مستقبل أبعد من لحظة الإساءة، مع استمرار البلاغ وطلب النصرة المشروعة.
أسرى الله بنبيه ﷺ يقظة ببدنه وروحه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات وأراه من آياته الكبرى.
فرضت الصلوات خمسًا في العمل وخمسين في الأجر. وربط الإسراء مكة بالقدس وسلسلة الأنبياء، وكان خبر الرحلة امتحان تصديق للمؤمنين والمكذبين.
05بيعة العقبة والهجرة إلى المدينة
انتشر الإسلام في يثرب بقراءة القرآن وتعليم مصعب بن عمير، ثم بايع الأنصار النبي ﷺ في العقبة على الطاعة والنفقة والأمر بالمعروف والنصرة إذا قدم إليهم.
لم تكن البيعة حماسًا عابرًا؛ شرح العباس تبعاتها، وأخذ النبي نقباء ينظمون جماعاتهم. اجتمع الإيمان بالوضوح المؤسسي وتحمل المسؤولية.
خرج النبي ﷺ مع أبي بكر، ومكثا في غار ثور، وجهزت أسماء الزاد، ونقل عبد الله بن أبي بكر الأخبار، ورعى عامر بن فهيرة الغنم، واستأجرا عبد الله بن أريقط دليلًا ماهرًا موثوقًا.
التوكل لم يكن تركًا للأسباب؛ اتخذ النبي ما يستطيع ثم اطمأن إلى حفظ الله. والاستعانة بخبير غير مسلم جائزة مع تحقق الأمانة والكفاءة في عمل مباح.
وصل النبي ﷺ إلى قباء ثم دخل المدينة، وبدأ ببناء المسجد وربط المهاجرين بالأنصار. تحولت الهجرة من خروج أفراد مضطهدين إلى تأسيس مجتمع يعبد الله ويقيم العدل.
الهجرة النبوية حدث تاريخي لا موسم لإعادة تمثيل كل جزئية. العبرة في التضحية والتخطيط والنصرة وبناء المؤسسات.
في حديث عائشة أن عبد الله بن أبي بكر كان يأتي بأخبار مكة إلى الغار، وأن عامر بن فهيرة كان يرعى الغنم ثم يريحها عليهما لينالا من لبنها. وهيأت أسماء الزاد وشقت نطاقها لربطه.
استأجر النبي وأبو بكر دليلًا خبيرًا من بني الديل، وأمّناه على الراحلتين وحددا له موعدًا بعد 3 ليال. يبين الخبر أن الخروج لم يكن حركة مرتجلة: لكل شخص مهمة وللمسير موعد وطريق.
06بناء المدينة وغزوة بدر
جعل النبي ﷺ المسجد مركز عبادة وتعليم وشورى، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ونظم علاقات سكان المدينة وحقوقهم والتزاماتهم.
لم تكن الدولة الجديدة جماعة حرب فقط؛ بنت الصلاة والتكافل والسوق والعدل. ثم جاء الإذن بالقتال لمن أخرجوا من ديارهم وظلموا.
خرج المسلمون يريدون عير قريش في سياق الصراع ومصادرة أموال المهاجرين، فنجت العير وخرج جيش قريش. استشار النبي ﷺ أصحابه قبل المواجهة، فثبت المهاجرون والأنصار.
نزل المسلمون بدرًا وأخذوا بالأسباب المتاحة، وسوّى النبي الصفوف ووزع المهام. لم يملكوا يقينًا دنيويًا بالنتيجة؛ ملكوا طاعةً واستعدادًا.
ألح النبي ﷺ في الدعاء حتى سقط رداؤه، وثبته أبو بكر بوعد الله. استجاب الله وأمد المؤمنين بالملائكة بشرى ولتطمئن القلوب، وقرر القرآن أن النصر من عند الله.
انتهت بدر بانتصار المسلمين ومقتل عدد من قادة قريش وأسر آخرين. لم تكن النهاية ترخيصًا في الانتقام؛ ناقش الوحي شأن الأسرى، وبقيت الأخلاق والعهود حاضرة.
آخى النبي ﷺ بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع. عرض سعد إعانته من ماله، لكن عبد الرحمن دعا له وطلب طريق السوق، فبدأ يعمل ويتجر.
تظهر القصة كيف استقبل المجتمع من فقدوا بيوتهم وأموالهم: دعم متاح وعمل مستقل. وفي السنة الثانية تغيرت القبلة وفُرض صوم رمضان، فكان بناء العبادة والحقوق يجري مع أحداث المواجهة لا بعدها فقط.
07أحد والخندق: الطاعة وقت الشدة
خرج النبي ﷺ في أحد بعد الشورى، وجعل الرماة يحرسون ظهر الجيش وأمرهم ألا يتركوا موضعهم. بدأ النصر ظاهرًا، ثم نزل بعضهم طلبًا للغنيمة فاستغل الفرسان الثغرة.
أصيب المسلمون واستشهد حمزة رضي الله عنه، وشج وجه النبي ﷺ. نزل القرآن يربي ولا يكتفي بتسجيل الحدث: عفا الله عنهم، وأمر نبيه أن يعفو ويستغفر ويستمر في الشورى.
صحح القرآن وهم أن الهزيمة تنفي الحق: الأيام تتداول والابتلاء يميز المؤمنين، والنبي بشر رسول قد يموت أو يقتل، والدين لا يتعلق بحياة شخص في الدنيا.
خرج المسلمون في اليوم التالي إلى حمراء الأسد رغم الجراح، ليدلوا على بقاء الجماعة وقدرتها. التعافي يبدأ بالصدق ثم العمل، لا بإنكار الخطأ.
تحزبت قريش وغطفان وغيرهم على المدينة، فأخذ المسلمون بفكرة حفر الخندق في الجهة المكشوفة. اشتد الخوف والجوع والبرد، وظهر صدق المؤمن ونفاق المتردد.
أرسل الله الريح وجنودًا لم يروها فتفكك الحصار دون معركة مفتوحة كبرى. كان الثبات هنا حراسة وصبرًا وحفرًا وتماسكًا، لا اندفاعًا غير محسوب.
استشهد حمزة ومصعب في أحد. نقل الصحابة ضيق كفن مصعب حتى أمر النبي بتغطية رأسه وجعل نبات على قدميه، ونقل قيس أثر الشلل في يد طلحة التي وقى بها النبي.
تلك الشهادات تضيف إلى حركة الجيش أحوال الأشخاص: من استشهد ومن بقي يحمل أثر الإصابة. وثبوت فضلهم لا يمنع فهم الخطأ العسكري الذي عالجته آيات آل عمران.
شارك النبي ﷺ أصحابه الحفر مع الجوع. رأى جابر حاله فاستأذنه وأعد مع زوجته طعامًا قليلًا، ثم دعا النبي ومن معه.
دعا النبي أهل الخندق، وبارك الله في الطعام فأكلوا وبقي منه. يثبت أصل الخبر في الصحيح، ولا نحتاج إضافة أعداد أو حوارات لم ترد فيه.
08صلح الحديبية وبيعة الرضوان
رأى النبي ﷺ أنه يدخل المسجد الحرام، فخرج مع أصحابه محرمين بالعمرة. صدتهم قريش عند الحديبية، فأرسل الرسل وجرت مفاوضات انتهت بهدنة وعودة المسلمين ذلك العام.
شق على بعض الصحابة حذف وصف «رسول الله» من صحيفة الصلح ورد من يأتي من قريش، لكن النبي وفى بالعقد. أتاحت الهدنة للناس أن يسمعوا الدعوة بلا حرب، فسماها القرآن فتحًا.
لما شاع أن عثمان قتل بايع الصحابة النبي تحت الشجرة على الثبات، ثم تبين أنه حي. جاء سهيل بن عمرو وتم الصلح بشروط معلومة ومدة هدنة.
أمر النبي أصحابه بالنحر والحلق بعد تعثر دخول مكة، فثقل عليهم الموقف ثم امتثلوا. تظهر السيرة أن المؤمن قد يحتاج وقتًا ليفهم الحكمة، لكن الطاعة الواعية تحفظ الجماعة.
بعد إتمام الصلح أمر النبي الصحابة بالنحر والحلق، لكن وقع عليهم من الحزن ما أخّر استجابتهم. دخل على أم سلمة وأخبرها بما لقي.
أشارت عليه أن يخرج فينحر ويحلق دون أن يعيد الكلام عليهم، ففعل؛ ولما رأوا فعله قاموا ونحروا وحلق بعضهم لبعض. حفظت الرواية رأي أم سلمة بوصفه جزءًا مؤثرًا في حل الموقف.
09خيبر والرسائل إلى الملوك ومؤتة
خرج النبي ﷺ إلى خيبر في السنة السابعة للهجرة، وكانت مركزًا محصنًا شارك بعض أهله في تأليب الأحزاب. فُتحت حصونها تباعًا بعد حصار وقتال.
قال النبي إنه سيعطي الراية رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، فأعطاها علي بن أبي طالب. وأبقى أهل خيبر يعملون في الأرض على جزء من الثمر ما دام ذلك أصلح للمسلمين.
تطلع الصحابة إلى نيل الراية بعد سماع فضل حاملها. طلب النبي عليًا وكان يشكو عينيه، ثم دفع إليه الراية.
لم تكن الوصية أمرًا مجردًا بالانتصار؛ أمره بالتأني، ودعوة القوم إلى الإسلام، وتعريفهم بما يجب عليهم من حق الله، وبيّن عظم أجر هداية إنسان. هذا هو سياق فضيلة الراية في الحديث.
أرسل النبي ﷺ كتبًا يدعو فيها الحكام إلى الإسلام. ثبت كتابه إلى هرقل في صحيح البخاري، وفيه دعوته إلى كلمة سواء وتحميل الحاكم تبعة من يتبعه.
سأل هرقل أبا سفيان عن نسب النبي وصدقه وأتباعه وحالهم، فكانت إجابات خصمه شاهدًا على ثبات دعوته. لم يكن إرسال الرسائل طلبًا لاعتراف سياسي فقط، بل بلاغًا دينيًا واضحًا.
خرج الجيش إلى مؤتة في السنة الثامنة بعد قتل رسول النبي إلى حاكم بصرى. سمى النبي ثلاثة قادة بالترتيب: زيد بن حارثة، ثم جعفر بن أبي طالب، ثم عبد الله بن رواحة.
استشهد الثلاثة، فأخذ خالد بن الوليد الراية ودبر انسحاب الجيش. أخبر النبي أهل المدينة بموت القادة قبل وصول الخبر، وسماهم شهداء، وسمى خالدًا سيفًا من سيوف الله.
10فتح مكة وحرمة البلد
تذكر كتب السيرة أن اعتداء بني بكر على خزاعة، ومساعدة رجال من قريش، نقضا عهد الحديبية. تحرك النبي ﷺ إلى مكة بعد ذلك في رمضان من السنة 8 للهجرة.
دخل المسلمون مكة وغلب عليها الأمان مع وقوع قتال محدود في بعض جهاتها. لا يصح وصف الفتح بأنه لم تقع فيه مواجهة مطلقًا، كما لا يصح تصويره إباحةً عامةً للدماء.
ثبت أن حول الكعبة 360 صنمًا يوم دخلها النبي، فجعل يطعنها بعود وهو يذكر مجيء الحق وزوال الباطل.
إزالة هذه الأصنام مرتبطة ببيت الله وشعائر التوحيد في واقعة نبوية محددة؛ وليست إذنًا لأفراد اليوم بالاعتداء على الناس أو ممتلكاتهم.
أكد النبي يوم الفتح أن مكة حرمها الله، وأن القتال أُذن له فيها وقتًا محدودًا. لم يجعل الغلبة إلغاءً لحرمتها.
قرر أحكام صيدها وشجرها ولقطتها، واستثنى الإذخر لما ذكره العباس من حاجة الناس إليه. يجتمع في الخبر تعظيم حرمة المكان مع بيان الحكم العملي.
11حنين والطائف وتبوك وعام الوفود
خرج المسلمون بعد فتح مكة لمواجهة هوازن وثقيف، وكان عددهم أكبر من معارك سابقة. باغتهم العدو في وادي حنين، فتراجع كثيرون في أول الموقف.
ثبت النبي ﷺ ومعه عدد من أصحابه، ونادى الناس حتى عادوا، ثم نصرهم الله. صحح القرآن الشعور بأن الكثرة تضمن النصر: السبب يؤخذ به، لكن القلب لا يتكل عليه.
بعد حنين حاصر النبي ﷺ الطائف، ولم تفتح في ذلك الحصار. أعلن الرجوع فشق ذلك على بعض الصحابة، ثم جربوا القتال وأصابتهم الجراح.
لما أعاد قرار العودة رضوا به. لا يصح اختصار السيرة في انتصارات متصلة؛ قد يكون إنهاء الحصار هو القرار المناسب. وهذه واقعة مدنية مختلفة عن رحلة الدعوة إلى الطائف قبل الهجرة.
أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين عطاءً كبيرًا لبعض حديثي العهد بالإسلام تأليفًا لقلوبهم، فوجد بعض الأنصار في أنفسهم.
جمعهم وحدهم وذكرهم بنعمة الهداية والنصرة، ورضوا أن يرجع الناس بالمال ويرجعوا برسول الله إلى رحالهم. يظهر الموقف أن القيادة تشرح القرار وتحفظ مشاعر أهل الفضل.
دعا النبي ﷺ إلى تبوك في السنة التاسعة وصرح بالوجهة لبعد الطريق وشدة الحر والحاجة إلى الاستعداد. تخلف المنافقون بالأعذار، وخرج المؤمنون في جيش العسرة.
لم يقع قتال مباشر، لكن الرحلة أظهرت قوة الدولة وميزت الصادق من المتعلل. تخلف كعب بن مالك وصاحباه بلا عذر ثم صدقوا، فقوطعوا خمسين ليلة حتى تاب الله عليهم.
بعد فتح مكة وتبوك قدمت وفود القبائل إلى المدينة، تسأل عن العقيدة والعبادات والحقوق. كان النبي ﷺ يجيب باختصار، ويبعث المعلمين، ويراعي تفاوت الناس.
لم يكن انتشار الإسلام مجرد إعلان ولاء؛ كان تعليمًا للقرآن والصلاة والزكاة والأخلاق. لهذا احتاجت الوفود إلى من يرجع معها يعلم قومها.
12حجة الوداع ووفاة النبي ﷺ
خرج النبي ﷺ للحج واجتمع به خلق كثير، فأراهم النسك قولًا وفعلًا وقال: خذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا.
قرر في خطبه حرمة الدماء والأموال والأعراض، وأبطل ربا الجاهلية ودماءها، وأوصى بالنساء، وأمر الأمة أن تبلغ عنه. لا توجد رواية واحدة صحيحة تجمع كل ما يطبع اليوم بعنوان خطبة الوداع؛ يجمع الصحيح من مواضعه.
بدأ مرضه ﷺ واشتد، واستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة. أمر أبا بكر أن يصلي بالناس، وخرج إليهم في بعض الأيام وذكّرهم ووصاهم.
ثبت أنه خُيّر فاختار الرفيق الأعلى. وفي لحظاته الأخيرة استاك، ثم قبضه الله ورأسه بين سحر عائشة ونحرها رضي الله عنها.
هال الخبر الصحابة، حتى قام أبو بكر فحمد الله وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا آل عمران 144.
استعاد الناس توازنهم بالقرآن. أعظم وفاء للنبي بعد موته هو توحيد الله، واتباع ما صح عنه، وحمل الرسالة بالعلم والرحمة والعدل.
دخلت فاطمة في مرض أبيها، وكانت مشيتها تشبه مشيته. أسر إليها حديثًا فبكت، ثم أسر إليها مرة أخرى فضحكت؛ ولم تبح بالسر حتى توفي.
بينت لاحقًا أنه أخبرها باقتراب أجله، ثم بشرها بما يطمئنها وبأنها أول أهله لحوقًا به في الروايات الصحيحة. يجمع المشهد حزن الأسرة وإيمانها، ولا يلغيه ثبات الأمة على بقاء الدين.
مصادر القصة
- صحيح البخاري 3 — موقف خديجة
- صحيح البخاري 2262 — رعي الغنم
- صحيح مسلم 1162e — مولده يوم الاثنين
- الضحى 6–8
- صحيح البخاري 4770 — الإنذار على الصفا
- المدثر 1–7
- صحيح البخاري 240 — الأذى عند الكعبة
- صحيح البخاري 3905 — خطة الهجرة
- النحل 41–42
- صحيح البخاري 3231 — ملك الجبال والرحمة
- صحيح البخاري 349 — الإسراء وفرض الصلاة
- صحيح البخاري 4772 — وفاة أبي طالب
- صحيح البخاري 3820 — فضل خديجة
- صحيح البخاري 3925 — تعليم مصعب في المدينة
- صحيح البخاري 3653 — الصاحبان في الغار
- التوبة 40
- صحيح البخاري 2048 — المؤاخاة
- صحيح البخاري 3952 — موقف المقداد
- الأنفال 5–19
- أسرى بدر
- صحيح البخاري 3039 — الرماة يوم أحد
- صحيح البخاري 4101 — حفر الخندق وطعام جابر
- صحيح البخاري 4063 — طلحة يوم أحد
- آل عمران 152–159
- الأحزاب 9–25
- صحيح البخاري 2731 — مفاوضات الحديبية وشروطها ومشورة أم سلمة
- سورة الفتح
- صحيح البخاري 3701 — راية خيبر
- صحيح البخاري 7 — كتاب هرقل
- صحيح البخاري 4261 — قادة مؤتة
- صحيح البخاري 4262 — الشهداء وخالد
- صحيح البخاري 4287 — تطهير البيت
- صحيح البخاري 1834 — حرمة مكة
- الإسراء 81
- صحيح البخاري 4330 — حديث الأنصار
- صحيح البخاري 4325 — حصار الطائف
- صحيح البخاري 4418 — قصة كعب بن مالك
- صحيح البخاري 53 — وفد عبد القيس
- حنين في القرآن
- التوبة بعد تبوك
- صحيح مسلم 1218a — حديث جابر في الحج
- صحيح البخاري 4452 — وفاته وثبات أبي بكر
- صحيح البخاري 3623 — فاطمة في مرض أبيها
- آل عمران 144
