النبي 11 من 25

يوسف عليه السلام

تصور فني لبئر في أرض خالية يرمز إلى مرحلة الجب في قصة يوسف، دون أشخاص
على مهل… مع القصة0%
محطات القصةرؤيا يوسف وبداية الحسد

01رؤيا يوسف وبداية الحسد

حكى يوسف لأبيه رؤيا عجيبة: أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رآهم له ساجدين. خاطبه يعقوب بحنان، وأدرك أن الرؤيا ليست تفصيلًا عابرًا في طفولة ابنه.

طلب منه ألا يقصها على إخوته حتى لا يكيدوا له. لم يعلّمه سوء الظن بالجميع، بل علّمه أن النعمة قد تحتاج كتمانًا حكيمًا حين تظهر مقدمات الحسد.

بشر يعقوب يوسف بأن الله سيجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليه وعلى آل يعقوب، كما أتمها على إبراهيم وإسحاق. ربط المستقبل بفضل الله لا بتفوق شخصي مغرور.

وتحقق معنى الرؤيا في نهاية السورة بعد سنوات طويلة. يعلمنا ترتيب السورة ألا نستعجل تفسير الوعد من أول مشهد؛ فقد يمر طريق النعمة عبر ابتلاءات لا نفهمها وقت وقوعها.

رأى الإخوة أن يوسف وأخاه أحب إلى أبيهم منهم، وحكموا على أبيهم بأنه في ضلال مبين، ثم اقترحوا قتل يوسف أو طرحه بعيدًا ليخلو لهم وجه أبيهم.

لا يقول القرآن إن يعقوب جار في النفقة أو الحقوق؛ الذي حكاه هو تصور الإخوة ومقارنة الحب. تبدأ المعالجة من القلب: الغيرة إذا لم تُقاوم قد تعيد تفسير كل شيء حتى يصبح القريب خصمًا.

02الجب والقميص وبدء الغربة

تصور فني لبئر في أرض خالية يرمز إلى مرحلة الجب في قصة يوسف، دون أشخاص
مشهد تعبيري

طلب الإخوة من يعقوب أن يرسل يوسف ليرتع ويلعب، ووعدوا بحفظه. كان يعقوب يخشى أن يأكله الذئب وهم عنه غافلون، فاتخذوا من الخوف نفسه قصة يغطون بها فعلهم.

لما ذهبوا به أجمعوا على وضعه في غيابة الجب. وفي قلب المحنة أوحى الله إلى يوسف أنه سيخبرهم يومًا بأمرهم وهم لا يشعرون؛ وعد خفي في مكان لا يرى فيه الطفل طريقًا للنجاة.

عادوا في وقت العشاء ببكاء وقصة سباق وذئب، ووضعوا على قميص يوسف دمًا كذبًا. لم يقتنع يعقوب، فقال: بل سولت لكم أنفسكم أمرًا، فصبر جميل والله المستعان.

الصبر الجميل لا يعني أن الأب لم يحزن؛ بل يعني ألا يكون في شكواه اعتراض على الله. سيظهر في بقية السورة أنه بث حزنه إلى الله وظل يرجو فرجه.

جاءت قافلة فأرسلوا من يستقي الماء، فتعلق يوسف بالدلو وظهر لهم. أخفوه بضاعة، ثم بيع بثمن قليل من الدراهم؛ كانوا فيه من الزاهدين.

قال الرجل الذي اشتراه من مصر لامرأته أن تكرم مثواه، لعلهم ينتفعون به أو يتخذونه ولدًا. ويعقب القرآن: وكذلك مكنا ليوسف في الأرض. ما بدا بيعًا مهينًا كان بداية تمكين لا يراه أحد بعد.

03العفة أمام الفتنة والسجن

نشأ يوسف في بيت الرجل الذي اشتراه، وآتاه الله حكمًا وعلمًا. راودته المرأة التي هو في بيتها عن نفسه، وأغلقت الأبواب ودعته صراحة، فكان أول كلامه: معاذ الله.

لم يدخل في مساومة ولم يطمئن إلى الأبواب المغلقة؛ استعاذ بالله وبيّن أن الظالمين لا يفلحون، ثم استبق الباب ليخرج. العفة إيمان في القلب وخطوة بالجسد بعيدًا عن سبب المعصية.

تدل الآيات على قوة الداعي البشري، ثم على حفظ الله لعبده المخلص؛ رأى يوسف برهان ربه فصرف الله عنه السوء والفحشاء. لم تقع منه الفاحشة، وكان فراره دليل اختياره الطاعة.

ألفت كتب التفسير صورًا متعددة للبرهان، لكن لم يصح عن النبي ﷺ ما يعينه. الأَولى إبقاؤه برهانًا أراه الله ليوسف، ونتيجته الواضحة صرف السوء عنه.

انتشر الخبر بين نسوة المدينة، فجمعتهن امرأة العزيز وأرتهن يوسف، فأعظمنه وجرحن أيديهن من الدهشة. أعلنت أنها راودته وهددته بالسجن إن لم يفعل.

دعا يوسف ربه أن السجن أحب إليه من الاستجابة لدعوتهن، وسأل أن يصرف عنه كيدهن. استجاب الله له، ثم بدا للقوم أن يسجنوه مدة رغم ظهور الآيات الدالة على براءته.

04يوسف في السجن: التوحيد قبل التأويل

رأى أحد الفتيين أنه يعصر خمرًا، ورأى الآخر أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه. طلبا من يوسف التأويل لأنهما رأياه من المحسنين.

لم تكن دعوته كلمات منفصلة عن معاملته؛ إحسانه في السجن جعل الناس يثقون بعلمه. بدأ بإظهار أن ما عنده تعليم من ربه، لا كهانة ولا قوة ذاتية.

ذكر يوسف أنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله، واتبع ملة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب. ثم خاطب صاحبيه بقرب: يا صاحبي السجن، وسألهما عن الأرباب المتفرقين ورب واحد قهار.

بيّن أن الأسماء التي يعبدونها لا سلطان لها من الله، وأن الحكم لله وحده وأمر ألا يعبد الناس إلا إياه. لم يؤخر التوحيد حتى يخرج؛ بل بلّغه من داخل البلاء.

أخبر الأول أنه سيعود فيسقي سيده خمرًا، وأن الآخر سيصلب فتأكل الطير من رأسه. ثم طلب من الذي علم أنه ناجٍ أن يذكره عند سيده.

أنسى الشيطان الناجي أن يذكر يوسف عند الملك، فبقي يوسف في السجن بضع سنين. هذا هو التفسير الراجح للضمير؛ فلا نجعل طلب السبب المباح ذنبًا، ولا نقول إن يوسف نسي ذكر الله.

05رؤيا الملك وخطة إنقاذ البلاد

سنابل محفوظة في مشهد تخيلي يقرّب خطة يوسف لمواجهة سنوات القحط
مشهد تعبيري

عجز ملأ الملك عن تأويل الرؤيا ووصفوها بأضغاث أحلام. تذكر الساقي يوسف بعد سنوات، فجاءه يسأله. أجاب يوسف من السجن من غير مساومة على خروجه.

فسر السبع السمان بسبع سنوات من الزراعة المستمرة، وأرشدهم أن يتركوا أكثر الحصاد في سنبله حتى يحفظ، وأن يأكلوا قليلًا فقط؛ إدارة للوفرة قبل وصول الجفاف.

تأتي بعد سنوات الخصب سبع شداد تستهلك ما خزنوه إلا قليلًا يحفظونه للبذر، ثم يأتي عام يغاث فيه الناس ويعصرون. الخطة توزع الاستهلاك وتحفظ أصل الإنتاج للمستقبل.

العلم النافع لا يصف المشكلة فقط؛ يحول المعرفة إلى قرار يحمي الناس. ولم ينسب يوسف العلم إلى عبقرية مستقلة، فقد سبق أن قال إن هذا مما علّمه ربه.

لما طلب الملك إخراجه، لم يخرج يوسف فورًا؛ طلب التحقيق في قضية النسوة حتى تظهر الحقيقة. اعترفن أنهن لم يعلمن عليه سوءًا، وأقرت امرأة العزيز بأنها راودته وأنه من الصادقين.

بعد أن ظهرت أمانته وعلمه، قال للملك: اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم. يجوز للكفء أن يعرّف بقدرته عند حاجة الناس وانتفاء من يقوم بالمهمة، لا طلبًا للعلو أو المصلحة الشخصية.

06رجوع الإخوة وطلب حضور أخيهم

عندما وصل إخوة يوسف إلى مصر طلبًا للطعام عرفهم، بينما لم يعرفوا أن الرجل الذي أمامهم هو أخوهم. أعطاهم حاجتهم وطلب أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم في المرة التالية، وأخبرهم أن رجوعهم من دونه سيمنع عنهم الكيل عنده. وأمر فتيانه أن يردّوا بضاعتهم في رحالهم، لعلهم يعرفونها بعد رجوعهم فيعودون.

رجعوا إلى أبيهم يطلبون أن يرسل أخاهم معهم. استعاد يعقوب ما حدث ليوسف، فلم يكتفِ بوعد سريع. وبعد أن وجدوا بضاعتهم مردودة إليهم وألحّوا في طلب الطعام، أخذ عليهم موثقًا من الله أن يرجعوا بأخيهم إلا أن يُحاط بهم. ثم أوصاهم عند الدخول أن يدخلوا من أبواب متفرقة، مع إقراره بأن الحفظ والتدبير لله.

07يوسف وأخوه وقصة السقاية

ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه وأخبره بأنه أخوه، وطمأنه بشأن ما كان يصنعه الآخرون. ثم جُعلت السقاية في رحل أخيه، ونادى منادٍ في القافلة، فدار السؤال عن المفقود وعن جزاء من توجد عنده. وذكر الإخوة أن من توجد في رحله يكون هو الجزاء.

بدأ التفتيش بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، ثم استُخرجت السقاية من رحله. هكذا بيّن القرآن التدبير الذي أبقى أخاه عنده، دون أن ينسب إلى أخيه سرقة فعلية. حاول الإخوة أن يأخذ يوسف أحدهم مكانه مراعاة لأبيهم الكبير، فرفض أن يأخذ غير من وُجد المتاع عنده.

انفرد الإخوة يتشاورون، وذكّرهم كبيرهم بالموثق الذي أخذه أبوهم وبما فرّطوا فيه من قبل في يوسف. قرر أن يبقى حتى يأذن له أبوه أو يحكم الله له. أما الآخرون فعادوا إلى يعقوب يخبرونه بما جرى، وأحالوه إلى أهل القرية والقافلة إن أراد أن يسأل.

08حزن يعقوب والأمل الذي لم ينقطع

تجدد حزن يعقوب على يوسف مع خبر أخيه، وقال إن صبره جميل ورجا أن يأتيه الله بهم جميعًا. وابيضّت عيناه من الحزن وهو كظيم. وحين عاتبه أبناؤه على استمرار ذكر يوسف، لم ينكر حزنه، لكنه أوضح أنه يشكو بثه وحزنه إلى الله ويعلم من الله ما لا يعلمون.

لم يتحول هذا الحزن إلى استسلام؛ أمر أبناءه أن يذهبوا ويتحسسوا من يوسف وأخيه، ونهاهم عن اليأس من روح الله. وهكذا عادوا مرة أخرى، وقد مسهم وأهلهم الضر، ومعهم بضاعة قليلة يطلبون أن يوفّى لهم الكيل وأن يُتصدّق عليهم. كانت هذه العودة مقدمة اللقاء الذي تنكشف فيه الحقيقة.

09لقاء الإخوة والعفو وتحقق الرؤيا

دخل الإخوة على يوسف يطلبون الطعام، فعرفهم ولم يعرفوه. جهزهم وطلب أن يأتوا بأخ لهم من أبيهم، ووضع بضاعتهم في رحالهم حتى يرجعوا.

لما عادوا بأخيهم آواه يوسف إليه وأخبره سرًا أنه أخوه. ثم جعل السقاية في رحله ضمن تدبير أذن الله به، حتى يأخذ أخاه وفق الكيد الذي ذكره القرآن: كذلك كدنا ليوسف.

حين اشتد بهم الضر وطلبوا الصدقة، سألهم يوسف: هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟ أدركوا أنه يوسف واعترفوا بفضل الله عليه وبخطئهم.

كان قادرًا على الانتقام، فقال: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. لم ينكر الجريمة، لكنه أغلق باب التعيير وفتح باب التوبة وصلة الرحم.

أرسل يوسف قميصه، فلما أُلقي على وجه يعقوب عاد بصيرًا بإذن الله. جاءت الأسرة إلى مصر، وآوى يوسف إليه أبويه، ورفع أبويه على العرش، وخروا له سجدًا.

كان السجود تحية وتعظيمًا مأذونًا به في شريعتهم، وليس عبادة ليوسف. وقد حُرّم السجود لغير الله في شريعتنا. قال يوسف إن هذا تأويل رؤياه، ثم نسب اللطف كله إلى ربه.

مصادر القصة